الثعالبي
106
جواهر الحسان في تفسير القرآن ( تفسير الثعالبي )
وهذا يؤيد مذهب الشافعي ، ومن نحا نحوه في وجوب توافر ذلك الشرط . ومنها : الجمع بين حكمين مختلفين بمجموع القراءتين ، كقوله تعالى : ( فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن ) ( البقرة : 222 ) قرئ بالتخفيف والتشديد في حرف الطاء من كلمة " يطهرن " ، ولا ريب أن صيغة التشديد تفيد وجوب المبالغة في طهر النساء من الحيض ، لان زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى ، أما قراءة التخفيف ، فلا تفيد هذه المبالغة ، ومجموع القراءتين يحكم بأمرين : أحدهما : أن الحائض لا يقربها زوجها حتى يحصل أصل الطهر ، وذلك بانقطاع الحيض . وثانيهما : أنها لا يقربها زوجها أيضا إلا إن بالغت في الطهر ، وذلك بالاغتسال ، فلا بد من الطهرين كليهما في جواز قربان النساء ، وهو مذهب الشافعي ، ومن وافقه أيضا . ومنها : الدلالة على حكمين شرعيين ، ولكن في حالين مختلفين ، كقوله تعالى في بيان الوضوء : ( فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين ) ( المائدة : 6 ) قرىء بنصب لفظ " أرجلكم " ، وبجرها ، فالنصب يفيد طلب غسلها ، لأن العطف حينئذ يكون على لفظ " وجوهكم " المنصوب ، وهو مغسول ، والجر يفيد طلب مسحها ، لأن العطب حينئذ يكون على لفظ " رءوسكم " المجرور ، وهو ممسوح . وقد بين الرسول صلى الله عليه وسلم : أن المسح يكون للابس الخف ، وأن الغسل يجب على من لم يلبس الخف . ومنها : دفع توهم ما ليس مرادا : كقوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله ) ( الجمعة : 9 ) وقرئ : " فامضوا إلى ذكر الله " ، فالقراءة الأولى يتوهم منها وجوب السرعة في المشي إلى صلاة الجمعة ، ولكن القراءة الثانية رفعت هذا التوهم ، لأن المضي ليس من مدلوله السرعة ، ومنها : بيان لفظ مبهم على البعض : نحو قوله تعالى : ( وتكون الجبال كالعهن المنفوش ) ( القارعة 5 ) وقرئ : " كالصوف المنفوش " ، فبنيت القراءة الثانية أن العهن هو الصوف . ومنها : تجلية عقيدة ضل فيها بعض الناس : نحو قوله تعالى في وصفه الجنة وأهلها : ( وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا ) ( الإنسان : 20 ) جاءت القراءة بضم الميم ، وسكون اللام في لفظ : " وملكا كبيرا " ، وجاءت قراءة أخرى بفتح الميم ، وكسر اللام في هذا اللفظ نفسه ، فرفعت هذه القراءة الثانية نقاب الخفاء عن وجه الحق في عقيدة رؤية